إنها تُمطِر ثلجاً
مابينَ دِفءَ غُرفتي ورياحُ يناير شيءٌ من تراخِي ٍوثورةٍ
بالأمس.. حشوتُ بعضاً مِن الخُرق الباليةِ علي فراغِ النافذةِ الشماليةِ.. ذاك الذي بين الحائِط الطيني وإطارها الخشبي. فأكل الفراغُ في جوفِه جوالاً من (الخَيش) وبعضاً من( إسفنج) مرتبتي القديمة وأشياءَ أُخري .
جاءَ شتاءُ يناير أكثرَ ضراوةً هذه السنة ومكثَ طويلاً يحُوم ويُزمجِر بفِناء دارُنا الواسِعة المُمتلِئة بالفراغ إلاّ مِن غرفةٍ يتيمٍة تقِف (مُتكئةٍ) علي (شِعبةٍ) من (الدوم) تُسنِد سقفِه وهي تُمارس هذا الثبات مُنذ أيامَ جِِدي الرابع… وتؤنُس وحشة غُرفتي شجرةَ نيمٍ وحيدة. تتعري كلَ شتاء وتنتصبُ بوسط الحوش كأنها شاهد موتي.
يشكّلُ التقاربُ مابين الأرضِِِ والنافذةِ حِلفاً علي جوفِ غُرفتي المُتعَب فصارتا تُلقِمانهُ بعضاً من التراب الناعِم ووريقات شجرة النيم اليابسة
تلك التي تُزمجِر بالخارج لم تكُن تقصُد غُرفتي وحدها بل تجتاحُ كل شيءٍ كالجراد فتملؤه جوعاً وبرداً.
تلُفني غُرفتي بحُضنها البارد المهزوم فأدسُ جسدي بوسَط الفراش أبحثُ عن بعضِ ِفُلول الدفءِ الهاربة وقدماي المُتسِختان المُتشقِقتان تعلقُ بهما خيوط الملاءة (فتمزق إرباً) وكأنهما أقدام تُمساح ٍ يَخافُ الماءَ. تتشربُ قدماي نِصف زجاجةِ جلسرين كل يوم وتظلاّن كجروفِ الأرضِ الشبِقة لا ترتوي أبداً ومختار يتحسر علي غفلته.. فلم يكن يدري أنْ شِتاءَ هذا العام سوف يُقضِي علي كل زُجاجاتِ الفازلين والجلسرين المرصُوصةِ علي رفّ متجره
تتجاوبُ كل الأشياءِ من حولنِا مع (عِزيْق) الريحِ الباردةِ حتى أن (إبريقَ) الوضُْوء بالخارج تلعبُ الريحُ بجوفِه فيُجاوبها بصفيرٍ مزعج ٍ وتدخُلُ عنوةً عبَر فتحات الباب فيئنُ مُنهار القوي مُتصدّع المتاريس.
هذا العتيق مُتشقِق الطلاء يخونني في كل مرة.
هذا المتواطيء يُدخِل ماءَ الخريف وغُبار مايو وزمهرِير هذا الشتاء دون إذني !! ويظل هكذا مُتصدع المتاريس مُتشقق الطلاء فأُراقب من خِلال فتحاتهِ شجرةَ النيم في فناءِ الحوش تتلوي لتُواري سوءتُها… كالعاده جردّها الشتاءُ حياؤها فإنتصْبت عارية… لم تعُد بِِكراً ولكنها تُكابر وهي تُراقب الريح بالخارج تجُوبُ أزقةِ القريةِ الخاوية حتى من أوراقِ الأشجار الميتة وأكياس النايلون وتظل تعزُف علي أسلاك الكُهرباءِ لحناً مُرعباً يأتي سحيقاً..بعيداً..قادماً من عالم الموتي. ذلك العْالم الذي إختار(ود البكري) بعد ثمانينَ عاماً ونيف من الإنتظار الممل.
يحْكي ليّ مختار كيف أنْ الشتاءَ سكْن بعِظام (ود البكري) وفعَل فيها مافعَل فتهاوي جسدهُ كجِزعِ نخلةٍ خاوية…
كلُ ذلك والريحُ مازآلت ت













